كتب: سيلين القاضي -القاهرة
![]() |
| النينيو يهدد قناة بنما مجدداً.. قيود جديدة على حركة السفن ومخاوف من اضطراب التجارة العالمية |
تواجه قناة بنما مجدداً خطر اضطرابات حركة الملاحة، مع اشتداد ظاهرة «النينيو» وتراجع معدلات هطول الأمطار، الأمر الذي يهدد بانخفاض منسوب المياه في الخزانات التي تعتمد عليها القناة لتشغيل نظام الأهوسة وعبور السفن بين المحيطين الأطلسي والهادئ.
وتأتي هذه التطورات بعد عامين فقط من واحدة من أسوأ موجات الجفاف التي شهدتها قناة بنما، والتي أدت إلى تقليص أعداد السفن المسموح لها بالعبور، وتسببت في تأخيرات كبيرة وارتفاع حاد في تكلفة الحصول على أولوية العبور.
قيود جديدة على حركة السفن
أعلنت هيئة قناة بنما اعتزامها تقليص حركة العبور تدريجياً مع استمرار المخاوف بشأن تراجع الموارد المائية.
وبموجب الإجراءات الجديدة، ستسمح الهيئة بعبور 34 سفينة يومياً اعتباراً من 4 سبتمبر المقبل، على أن ينخفض العدد إلى 32 سفينة يومياً اعتباراً من 15 سبتمبر.
وتأتي هذه الخطوة في ظل توقعات باستمرار تأثير «النينيو» لفترة أطول من المعتاد، ما قد يدفع السلطات إلى فرض قيود إضافية إذا واصلت مستويات المياه في الخزانات الانخفاض.
وخلال أزمة الجفاف التي ضربت القناة في عامي 2023 و2024، تراجع عدد السفن المسموح بمرورها إلى نحو 22 سفينة يومياً، مقارنة بمتوسط يتراوح بين 34 و35 عبوراً يومياً خلال السنة المالية 2026.
لماذا تعتمد قناة بنما على الأمطار؟
على عكس قناة السويس المصرية، تعتمد قناة بنما بصورة أساسية على المياه العذبة لتشغيل نظام الأهوسة الذي يسمح برفع السفن وخفضها أثناء عبورها القناة الممتدة لنحو 80 كيلومتراً.
وتأتي المياه المستخدمة في عمليات التشغيل من خزاني «جاتون» و«ألاخويلا»، حيث تُستهلك كميات ضخمة من المياه مع كل عملية عبور.
وتجعل هذه الطبيعة التشغيلية القناة شديدة الحساسية للتغيرات المناخية ومعدلات هطول الأمطار، إذ يؤدي انخفاض منسوب الخزانات إلى تقليص قدرة الهيئة على السماح بأعداد كبيرة من السفن بالعبور.
النينيو يفاقم أزمة المياه
وترتبط ظاهرة «النينيو» بارتفاع درجات حرارة مياه المحيط الهادئ، وهو ما يمكن أن يؤثر في أنماط الرياح والأمطار في بنما، ويؤدي إلى انخفاض كميات المياه التي تصل إلى الخزانات المستخدمة في تشغيل القناة.
وتشير بيانات الرصد المناخي في بنما إلى تسجيل درجات حرارة مرتفعة بشكل قياسي أو قريب من المستويات القياسية خلال الأشهر الأخيرة، بالتزامن مع انخفاض معدلات هطول الأمطار في مناطق عدة، من بينها المناطق المحيطة بالقناة.
ويزيد هذا الوضع من الضغوط على هيئة قناة بنما، التي تواجه تحدياً مزدوجاً يتمثل في الحفاظ على حركة التجارة العالمية من جهة، وضمان توافر المياه اللازمة لتشغيل القناة من جهة أخرى.
تأثير مباشر على حركة التجارة
ولا تقتصر تداعيات أزمة المياه على القناة نفسها، إذ يمكن أن تمتد إلى أسواق الشحن والطاقة والتجارة العالمية، مع اضطرار شركات النقل إلى البحث عن مسارات بديلة أكثر طولاً وتكلفة.
وخلال فترات تراجع أعداد العبور، تلجأ بعض السفن إلى المسار البحري حول أفريقيا عبر رأس الرجاء الصالح، وهو خيار يضيف أياماً عديدة إلى الرحلات بين أميركا وآسيا ويرفع تكاليف الوقود والتشغيل.
وتشير بيانات سوقية إلى أن نحو نصف ناقلات الغاز المتجهة إلى آسيا اختارت خلال أغسطس الحالي طريق رأس الرجاء الصالح بدلاً من قناة بنما، وهي نسبة تعد الأعلى منذ نحو عشر سنوات.
فعلى سبيل المثال، تستغرق رحلة ناقلة غاز كبيرة من هيوستن إلى اليابان نحو 26 يوماً عبر قناة بنما، بينما قد تمتد الرحلة إلى نحو 45 يوماً عند استخدام الطريق حول رأس الرجاء الصالح.
مزادات العبور ترفع التكلفة
وأدت محدودية فترات العبور خلال أزمات الجفاف السابقة إلى ارتفاع المنافسة بين شركات الشحن للحصول على المواعيد المتاحة.
وسبق أن دفعت إحدى الناقلات أكثر من أربعة ملايين دولار للحصول على أولوية العبور، فيما أقرت هيئة قناة بنما بأن بعض السفن دفعت مؤخراً أكثر من مليون دولار في مزادات للحصول على مواعيد عبور تلبي احتياجاتها التشغيلية.
وتعكس هذه الأرقام حجم التأثير الاقتصادي الذي يمكن أن تسببه القيود المفروضة على القناة، باعتبارها أحد أهم الممرات المائية التي تربط طرق التجارة بين المحيطين.
خزان جديد لمواجهة الأزمة
وتبحث بنما عن حلول طويلة الأجل لتقليل اعتماد القناة على الموارد المائية الحالية، ومن أبرز المقترحات إنشاء خزان جديد في منطقة «ريو إنديو».
وتقول هيئة قناة بنما إن المشروع يمكن أن يوفر المياه اللازمة لتشغيل القناة، إضافة إلى تلبية احتياجات أكثر من نصف سكان البلاد على مدار العقود المقبلة، إلى جانب تحسين الظروف المعيشية للمجتمعات القريبة.
لكن المشروع يواجه اعتراضات من نشطاء بيئيين، الذين يرون أن هناك بدائل أخرى يمكن اللجوء إليها، من بينها الاستفادة من بحيرة «بايانو».
خطر متزايد على التجارة العالمية
وتتزايد المخاوف من أن يمثل اشتداد ظاهرة «النينيو» تحدياً إضافياً لقطاع الشحن العالمي، الذي يواجه بالفعل ضغوطاً مرتبطة بالطاقة والتوترات الجيوسياسية وقيود الطاقة الاستيعابية في عدد من طرق التجارة.
وبحسب توقعات مناخية حديثة، فإن احتمال وصول ظاهرة «النينيو» إلى مستويات شديدة خلال خريف وشتاء 2026-2027 يتجاوز 90 في المائة.
ومع استمرار انخفاض معدلات الأمطار وتراجع مستويات المياه، تواجه قناة بنما اختباراً جديداً للحفاظ على تدفق التجارة العالمية، في وقت أصبحت فيه تداعيات التغيرات المناخية أكثر حضوراً في حسابات النقل البحري وسلاسل الإمداد الدولية.
