كتب: محمد أبو الخير -القاهرة
![]() |
| هيئة الاعتماد والرقابة الصحية: الاستثمار في جودة الرعاية وسلامة المرضى ضرورة اقتصادية لاستدامة التأمين الصحي الشامل |
أكد الدكتور أحمد طه، رئيس الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية «جهار»، أن الاستثمار في جودة الرعاية الصحية وسلامة المرضى أصبح ضرورة اقتصادية واستراتيجية لضمان استدامة النظم الصحية، وليس مجرد التزام بالمعايير الفنية، مشددًا على أن تحسين الجودة لا يعني بالضرورة زيادة الإنفاق، بل تحقيق نتائج صحية أفضل من خلال الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة.
جاء ذلك خلال مشاركته في المؤتمر السنوي الخامس للجمعية المصرية لاقتصاديات الصحة وقمة السياسات الصحية التنفيذية، المنعقد تحت عنوان «تمويل الابتكار الصحي وتحويله إلى ممارسة عملية»، برئاسة الدكتور أشرف حاتم، وزير الصحة الأسبق وعضو مجلس النواب، وبمشاركة عدد من صناع القرار وقيادات القطاع الصحي والخبراء والمتخصصين.
أحمد طه: الأخطاء الطبية التي يمكن تجنبها تفرض تكلفة إنسانية واقتصادية
وأوضح رئيس الهيئة أن النظم الصحية تواجه تحديات متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف التشخيص والعلاج والتكنولوجيا الطبية، بالتزامن مع محدودية الموارد، الأمر الذي يتطلب التحول من التركيز على حجم الإنفاق إلى تعظيم القيمة الصحية الناتجة عنه، مع إعطاء الأولوية للوقاية والكشف المبكر بدلًا من الاقتصار على علاج الأمراض بعد تطورها.
وأشار إلى أن تطبيق معايير الجودة والاعتماد يسهم في الحد من الهدر الناتج عن الأخطاء الطبية والمضاعفات التي يمكن تجنبها، من خلال تعزيز مأمونية الدواء، والوقاية من العدوى، وتحسين كفاءة الإجراءات الإكلينيكية والإدارية، بما يقلل الحاجة إلى تدخلات علاجية إضافية ويساعد على ترشيد استخدام الموارد.
وشدد الدكتور أحمد طه على أن كل ضرر يمكن تجنبه للمريض لا يمثل خسارة إنسانية فحسب، بل يترتب عليه أيضًا عبء اقتصادي تتحمله الأسرة من دخلها الخاص، أو تتحمله الدولة ومؤسسات التمويل الصحي، بما يؤثر في القدرة على توجيه الموارد لعلاج مرضى آخرين.
الوقاية والكشف المبكر يدعمان استدامة التأمين الصحي الشامل
وأكد رئيس الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية أن الوقاية والكشف المبكر يمثلان استثمارًا أساسيًا لتحسين النتائج الصحية والحد من الأعباء العلاجية، خاصة فيما يتعلق بالأمراض المزمنة ومضاعفاتها.
وأضاف أن استدامة منظومة التأمين الصحي الشامل تتطلب تحقيق التوازن بين إتاحة خدمات صحية آمنة وعالية الجودة وضمان كفاءة الإنفاق عليها، موضحًا أن نجاح المنظومة لا يُقاس فقط بعدد المنتفعين أو حجم الخدمات المقدمة، وإنما بقدرتها على تحقيق قيمة حقيقية للمريض وتعظيم العائد الصحي لكل جنيه يُنفق على الرعاية الصحية.
«جهار» تناقش الذكاء الاصطناعي واقتصاديات سلامة المرضى
وفي سياق متصل، شاركت الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية في ثلاث جلسات علمية بالتعاون مع الجمعية المصرية لنظم إدارة الرعاية الصحية، ضمن فعاليات مؤتمرها المنعقد تحت عنوان «سلامة المرضى: من الأخطاء إلى أنظمة أكثر أمانًا».
وتناولت الجلسات ثلاثة محاور رئيسية، شملت توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز سلامة المرضى، والجدوى الاقتصادية للاستثمار في الجودة، وبناء ثقافة مؤسسية قادرة على التعلم من الأخطاء ومنع تكرارها.
وناقش المشاركون أهمية الانتقال من اعتبار سلامة المرضى مسؤولية فردية إلى مسؤولية مؤسسية متكاملة، تعتمد على تصميم أنظمة أكثر أمانًا، والتنبؤ بالمخاطر قبل وقوع الضرر، وتحسين التواصل بين فرق الرعاية الصحية، وإشراك المرضى وأسرهم في القرارات المتعلقة بالعلاج.
الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية يتطلب حوكمة تضمن سلامة المرضى
وفيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، استعرض المشاركون فرص الاستفادة من التطبيقات الرقمية في دعم القرارات الإكلينيكية، والإنذار المبكر، وتحسين سلامة الدواء، مع التأكيد على ضرورة حوكمة البيانات والخوارزميات، والحد من التحيز، وضمان الإشراف البشري والمساءلة المهنية.
وأكد الدكتور أحمد طه أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة مهمة لتطوير الرعاية الصحية، بشرط مواكبة سرعة الابتكار بأطر حوكمة تضمن سلامة المرضى وتحمي القرارات الطبية، مشيرًا إلى أن قيمة التكنولوجيا لا ترتبط بحداثتها فقط، بل بقدرتها على تحسين النتائج الصحية وتعزيز مأمونية الخدمات المقدمة.
كما ناقشت الجلسات الأثر الاقتصادي لتطبيق معايير الجودة والاعتماد في الحد من العدوى المرتبطة بالرعاية الصحية، والأخطاء الدوائية، والمضاعفات التي يمكن الوقاية منها، إلى جانب أهمية قياس العائد الصحي والاقتصادي للاستثمار في سلامة المرضى وربط مؤشرات الجودة بكفاءة استخدام الموارد.
ثقافة التعلم من الأخطاء بدلًا من إخفائها
وتطرقت المناقشات إلى أهمية بناء ثقافة مؤسسية عادلة تشجع على الإبلاغ عن الحوادث والأخطاء الوشيكة، وتحليل أسبابها الجذرية، وتحويل الدروس المستفادة إلى إجراءات تصحيحية تمنع تكرارها، بدلًا من الاعتماد على اللوم أو إخفاء الأخطاء.
وشدد الخبراء على أن المؤسسة الصحية الأكثر أمانًا ليست بالضرورة التي تسجل أقل عدد من البلاغات عن الأخطاء، بل التي تمتلك نظامًا فعالًا لاكتشاف المخاطر والتعلم منها والعمل على منع تكرارها، مع الحفاظ على المساءلة المهنية.
واختتمت الهيئة مشاركتها بالتأكيد على أن مستقبل الرعاية الصحية يعتمد على تقديم خدمات أكثر أمانًا وأعلى قيمة وأكثر عدالة واستدامة، وأن التكامل بين معايير الجودة واقتصاديات الصحة والابتكار المسؤول يمثل ركيزة أساسية لحماية صحة المواطنين، والحفاظ على موارد الدولة، ودعم استدامة منظومة التأمين الصحي الشامل.
وأكدت الهيئة أن رسالتها تقوم على مبدأ أساسي مفاده أن كل ضرر يمكن تجنبه يحمي إنسانًا، وكل مورد يُحسن استخدامه يتيح فرصة لعلاج إنسان آخر
